» أعمدة » بين المعرض الدولي للكتاب والحملة الانتخابيّة

بين المعرض الدولي للكتاب والحملة الانتخابيّة

علي خفيف

51 مقال
منذ 4 أسابيع حجم الخط طباعة |

حدّثني أحد الأصدقاء من النّاشرين الذين لهم حضور على مستوى معظم الـمعارض التي تنظم في العالم العربي قائلا: إن ما تبيعه دور النشر في معرض الجزائر أكبر دائما مما تبيعه في بقية المعارض التي تقام في بقية دول العالم العربي، ولذلك فهي تحرص دائما على الحضور إلى الجزائر بأكبر عدد ممكن من العناوين القديمة والجديدة.. وهو أمر يثلج الصدر لما له من دلالة على الشغف بالكتاب من قبل الأسر الجزائريّة، حتى وإن قلّل من أهميّة ذلك بعض المتابعين الذين يقولون: إن كتب الطبخ وبعض الكتب السطحيّة التي على شاكلة “كيف تصبح مليونيرا؟” أو “كيف تمتلك قواما رشيقا؟” هي الأكثر مبيعا!.. ولكنه على كل حال يبقى سلوكا يستحق التشجيع طالـما أنه يدلّ على الاهتمام بالكتاب مهما كانت طبيعته، إذ يمكن تفسير الإقبال على هذا النوع من الكتب البسيطة بكون المعرض عموميّا، يلبي رغبات كل الشرائح الجزائريّة دون أن يقتصر على أذواق النخب الأكاديميّة فقط..

إنّ هذا الحماس لدى الجزائريين للإقبال على الـمعرض يدعو للتفاؤل ويحتم على القائمين عليه أن يستغلوا هذا الإقبال الجماهيري في تنميّة الذوق الجمالي وتعميق الفكر النقدي، وصناعة الحس الحضاري العام لدى المواطنين، وتحصين الأمّة ضد الضياع والتخلف، حيث لا سبيل إلى ذلك بغير القراءة.. فقد صدق من قال: “إن أمّة تقرأ أمّة لا تجوع ولا تستعبد”..على الـمسؤولين أن يؤسسوا لأجيال، لا تعرف التسوّق الاستهلاكي الخاص بالأكل والشرب فقط، ولا ترتبط حُمّى التسوّق الكبرى لديها بشراء ملابس الأعياد والدخول المدرسي فقط.. فالدخول الأدبي أيضا فعاليّة لا بد أن يدّخر لها الناس وينتظروها لشراء الزاد الفكري الذي يغطي لهم ما يقرؤون لمدّة سنة كاملة لتصبح القراءة سلوكا يوميا عند مواطنينا..من أجل ذلك يجب العناية جيدا بهذه التظاهرة الحيويّة وإرفاقها بما يلزم من برامج ثقافيّة هادفة وندوات مختلفة وفضاءات للنقاش وحصص إعلاميّة، ودورات للتوعية والتدريب على القراءة والكتابة، وعلى حسن اختيار الكتب..يرافق كل ذلك عناية أكبر بالإشهار وبحسن تنظيم الأجنحة، وحسن إدارة جموع الجماهير، ورقمنة المعرض لتسهيل البحث على الكتب داخله..ويجب تحسيس العائلات والتنسيق مع المدارس والجامعات والجمعيات والنقابات والأحزاب ورجال المال والأعمال لتنظيم رحلات للتلاميذ والطلبة والعمال ولمناضلي الأحزاب..من أجل تعبئة كل الشّرائح للاحتفاء بهذا العرس الثقافي ليكون منبرا حقيقيا للتلاقي والتعبئة بين المفكرين والكتاب والجمهور..

سنكون بخير متى نقتنع جميعا بِأَنْ نعبِّئَ لهذا العرس أكثر من التعبئة لتجمّعات الحملة الانتخابية، فكم أتمنى أن يكون للسلطة ولمسؤولي الأحزاب وأرباب الأعمال والمال وعي بأهميّة الكتاب، تماما مثل وعيهم بأهميّة الاستحقاقات الانتخابية، يحرصون على تدعيمه مثل حرصهم على تدعيم قُـفَّـة رمضان!.. ويجعلون من الاهتمام به والاستثمار فيه جزءا من مشاريعهم، ومنطلقا لكل حملاتهم الانتخابية!.. علما أنني سَـمِعْتُ برجل واحد دفع الملايير الكثيرة من أجل التّعبئة لتجمُّعٍ انتخابِيٍّ واحد، ولـم أسمع أبدا بحزب من الأحزاب ولا بأحد من أرباب المال تحمّل نفقات تنظيم رحلة واحدة إلى معرض الكتاب.

نشر