حاولت بقدر المستطاع في السنوات الأخيرة أن أكون قريبا منه، طالبا عنده، بل صبي يخدمه، المهم أتعلم القرآن وأحفظه وأمشي على خطى المالكية، لكني لم أقدر، كنت مولعا بالصحافة والسياسة والأخبار اليومية، وكل يوم أقرر زيارته أجد نفسي بعيدا عنه، وحينما مات لم أجد نفسي مستوعبا الأمر فرددت على من كلمني على الهاتف من أجل الخبر ”أيعقل مات” واليوم بالتحديد لا أريد أن أتحدث عن ماضي العلامة شقرون لأنه معروف، ولا نضاله التاريخي لأنه مكتوب بأحرف من ذهب، وإنما على المعاناة التي وجدها العلامة قبل حضور الأستاذ حجاج الحاج إلى بلعباس.

أنا لا أتهم أحدا بمعاناة الشيخ شقرون، لكن وقوفكم جميعا في تأبينية الشيخ تتكلمون عنه بثناء والغزل والحديث الطيب سامحوني لو أقول إنه نفاق مصالحتي، العديد منكم كان حاضرا في مكتبة ”قباطي” يوم الأربعاء، وفي جعبته أمانة لم يقدمها إلى الشيخ، لم يسانده في محنته؟ لم يقترب منه ويساعده؟ لم يقل كلمة حق في معاناة الشيخ ! ولا أقول جميع الحاضرين، وإنما بعضهم فقط، واحمدوا الله أنه سخر لكم مديرا للشؤون الدينية على مستوى الولاية لا يظلم عنده أحد لأنه يخاف الله، لو العهد القديم يعود لطبقنا عليكم مقولة المرحوم القذافي على الأمة العربية ”اليوم سأكون أنا وغدا أنتم جميعا”.

 

حينما كان العلامة شقرون كانت هناك لغة من الحوار، لغة من رائحة المساجد، لغة من الاستماع للجميع، لغة العلم، لكن بمجرد رحيله رحلت معه أكبر قاعدة للمرجعية الوطنية وهي الحوار رغم ميوله الإخواني مثل ابنه الدكتور ”محمد شقرون” إلا أنه كان يستمع للجميع وبشهادة الجميع عنه، وأنا أستمع لكل من قال كلمة في حق الشيخ، حتى صعد مديرا ولائيا لولاية أخرى راح ينزل ضربا وكربا وهربا على ما يسمونه هم بالوهابية، مع العلم أني أعرف جيدا أن الشيخ ”شقرون ” كان يحترم السلفية رغم اختلافه معهم، ويا سبحانه الله أنا سلفي وأحب جميع مشايخ وطننا الحبيب وعلى رأسهم العلامة ”شقرون” وهناك من لا يعرف من السلفية إلا اسمها وتجده طاعنا مرتزقا إرهابيا بحق السلف الصالح وفكرهم، وإذا كان العلامة شقرون بمثابة جلسة حوار بين كل الميول الطائفية فأكيد بعده سنجد جلسات دينية وندوات إسلامية وأيام دراسية تحذر من السلفية والسبب ”الله أعلم”.

 

يا من ضيعتم الشيخ وضيعتم فارسا في اللغة العربية ولم تستفيدوا منه، ماذا استفدتم ؟ مساجد بدون علم، طلبة وأئمة لا يفرقون بين الحرف والحرف، مشايخ مزيفين يستغلون الناس، علينا أن نحزن جدا لأننا لا نعرف كيف نوفر لمشايخنا وعلمائنا حياة طيبة بعيدة عن الإهمال والتجاهل، تجمع كل النخب الفكرية والعلمية في الجزائر على أننا بحاجة إلى توحيد دعاة المرجعية الوطنية، لكن للأسف العمل الوحيد الذي نتقنه هو بعد وفاة علمائنا نهرول لتكوين يوم أو يومين نستدعي فيه الإعلام والشخصيات ليقولوا كلمة على المرحوم، وبعد ذلك يصبح ذكرى سنوية، وهذا ما يجعلني أطرح سؤالا واحدا هل يوجد طلبة الشيخ ؟؟هل يوجد كتب الشيخ ؟؟ هل يوجد من سجل كل شيء قاله الشيخ ؟؟ هل يوجد من حفظ ودوّن كل شيء درسه الشيخ وعلمه لأبنائه؟؟ طبعا لا يوجد، مجرد فيديو هنا أو هناك على العلامة شقرون فقط.

 

لا أنكر أن سيدي بلعباس من ناحية العلماء وفي الآونة الأخيرة أصبحت تعرف طريقا صحيحا بفضل والي ولاية سيدي بلعباس ومدير الشؤون الدينية، حيث أصبح الوالي يهتم بعلماء المنطقة ومدير الشؤون الدينية يبحث عن المظلومين في قطاعه وينصفهم ويعيدهم إلى طاولة الحق، حضرت كم من مرة لوالي سيدي بلعباس ”طاهر حشاني”وهو يقدم رعايته الخاصة لعدة علماء، وحضرت لمدير الشؤون الدينية عدة شهادات من أئمة معرفين يتكلمون فيه بالخير، وأكبر دليل فعله وطيبته وغيرته على قطاعه أهم ميزة فيه.

 

لن نحقق المرجعية الوطنية الدينية إلا بجلسة حوار تدعى فيها الأطراف الفعالة والذين يسمح لهم القانون بمزاولة شعائرهم الدينية سواء سلفيين أو صوفيين أو إخوانيين أو أي طائفة معروفة في الجزائر، علينا أن نجلس ونسمع لبعضنا البعض، الحوار شيء مشترك ومطلوب ومرغوب من أجل فتح صفحة سلام بيضاء مكتوب عليها هذه هي الجزائر وهذه هي مرجعيتها الوطنية، رحيل العلماء عن الوطن ما هو إلا بداية العد التنازلي لسياسية الحوار غير الموجودة وغير المطبقة أصلا، رحيل العلماء يعني بداية صراعات لا نعرف نهايتها رغم أن الصراع دائم بالكتابة والرسالة ومرات بالسب والشتم، إذا لم نجد حلا مناسبا نعوض علماءنا الذين وافتهم المنية بطريقة أخرى نرحب بجميع الأفكار تحت غطاء وطني مندرج من وطنية الشهداء، والله سنضيع بفتنة دينية أخرى لا قدر الله.

[email protected]